يشهد الرد الإسرائيلي الغاضب على قرار الحكومة البريطانية الذي يقضي بحظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، على مدى أهمية هذه اللحظة في العلاقات بين البلدين.
وحظيت بريطانيا بالنصيب الأكبر من الغضب الإسرائيلي، بيد أن اختيار 12 دولة للتحرك بصورة جماعية زاد بوضوح من حدّة الشعور بالغضب.
يدرك المسؤولون في لندن دائماً أن مثل هذا التحول الجذري في السياسة تجاه القضية الإسرائيلية-الفلسطينية من شأنه أن يستدعي ردّاً عدائياً، إلا أنهم بدوا متفاجئين بسرعة رد إسرائيل وحدّته.
ويمثل إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، التي تخدم الضفة الغربية وتتولى التعامل مباشرة مع السلطة الفلسطينية في رام الله، وكذا إخراج الممثلين البريطانيين من المركز الدولي لدعم غزة، الهيئة التي أُنشئت العام الماضي لتنسيق جهود تحقيق الاستقرار والإغاثة في قطاع غزة، تحركين عدائيين للغاية.
ويدل ذلك على أن إسرائيل منزعجة بشدة من الخطوة التي اتخذتها بريطانيا يوم الثلاثاء بالإضافة إلى 11 دولة أخرى، من بينها فرنسا وإسبانيا وكندا.
جدير بالذكر أن المنتجات المصنّعة في المستوطنات لا تمثل نسبة كبيرة من صادرات إسرائيل، غير أن الرمزية السياسية لاستهداف مثل هذه المنتجات تحديداً والتعامل معها معاملة خاصة خطوةٌ تحمل دلالة قوية.
ولطالما اعتبرت الحكومات البريطانية وحكومات أخرى، على مدار عشرات السنوات، المستوطنات التي أقيمت في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانونية، لكنها لم تصل إلى حد حظر منتجات تُزرع أو تُنتَج فيها.
وزير الخارجية البريطاني، إيد ميليباند (صورة أرشيفية)
والآن بعد أن أعلنت بريطانيا أنها تتفق مع حكم محكمة العدل الدولية، الصادر عام 2024، والذي اعتبر الاحتلال، بما في ذلك الوجود العسكري الإسرائيلي، غير قانوني، أعلن وزير الخارجية البريطاني، إيد ميليباند، أن العلاقات الاقتصادية للحكومة يجب أن تعكس هذا الموقف.
وبناء على ذلك، جاء قرار الحظر، ليس على المنتجات فحسب، بل شمل أيضاً شركات تقدم خدمات البناء أو البنية التحتية أو التمويل للمستوطنات، وهذه التدابير، التي تشمل كذلك فرض قيود على مبيعات الأسلحة التي "تسهم بصورة جوهرية في الاحتلال"، تتجاوز ما كان يتوقعه كثيرون.
ولا يقتصر الأمر على الإجراءات نفسها، بل كان من المثير للدهشة اللغة الصريحة التي تحدّث بها وزير الخارجية البريطاني في تصريحه، الذي اتسم بطابع شخصي كبير.
وبصفته "يهودياً بريطانياً يفخر بذلك، وثابتاً دون تردد في دعم إسرائيل"، تحدّث ميليباند بصورة أكثر مباشرة وقوة مقارنة بمن سبقوه في تولي المنصب.
ويعتبر من الأمور اللافتة للنظر حقاً تصريح وزير خارجية بريطاني بأن "إرهاب المستوطنين مستشرٍ" وتسبب في "تطهير عرقي" للفلسطينيين في مناطق من الضفة الغربية، في حين أن الحكومة الإسرائيلية "غضّت الطرف عن ذلك".
ويصف ميليباند الخطوة بأنها "إعادة ضبط" للسياسة البريطانية، إلا أنها بدت، أحياناً، أقرب إلى إعادة نظر جذرية، الأمر الذي يجعل العلاقات البريطانية الإسرائيلية في أدنى مستوياتها منذ عقود.
وربما تكون الأجواء المتوترة والمحتدمة التي تصاحب عادةً اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية قد أسهمت في رد وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، العنيف، بيد أن معظم الإسرائيليين سيشاركونه نفس الإحساس بالغضب.
ويرى كثير من الإسرائيليين أن الأيديولوجية العنيفة ذات الطابع المسياني (الديني) التي يتبناها بعض المستوطنين تمثل إشكالية كبيرة، بينما يعتبر البعض المستوطنين مصدر إحراج وطني.
لكن ذلك لا يعني أنهم يتفقون على أن المستوطنات، التي أُقيمت على أراضٍ استولت عليها إسرائيل خلال عام 1967، غير قانونية.
كما سيختلف معظمهم بشدة مع رئيس الوزراء السابق، إيهود أولمرت، الذي اتهم العام الماضي خلَفه بنيامين نتنياهو بجعل إسرائيل دولة منبوذة على الصعيد الدولي.
لكنهم أيضاً يشعرون بأن جدران الإدانة الدولية تضيق عليهم، بدءاً من الاحتجاجات في مسابقة يوروفيجن للأغنية الأوروبية أو الفعاليات الرياضية، مروراً بإصدار مذكرات اعتقال دولية بحق قادتهم، ووصولاً الآن إلى حظر منتجات المستوطنات، وهذا يجعلهم يشعرون بقلق ويتخذون موقفاً دفاعياً.
أما بالنسبة للفلسطينيين، فعلى النقيض، فإن الخطوة تبدو بمثابة إحراز تقدّم.
وأشادت وزارة الخارجية الفلسطينية بالدول التي اتخذت العقوبات، لكنها دعت إلى اتخاذ "إجراءات عاجلة وملموسة" لوقف "مشروع الاستيطان غير القانوني" الإسرائيلي.
السفير الفلسطيني، حسام زملط، يرى قرار الحكومة البريطانية "نقطة تحوّل في العلاقة بين المملكة المتحدة وفلسطين"
وفي لندن، وصف السفير الفلسطيني، حسام زملط، قرار الحكومة بأنه "نقطة تحوّل في العلاقة بين المملكة المتحدة وفلسطين".
وقال إن "الخطوات الشجاعة" التي اتخذتها بريطانيا ستساعد في تمهيد السبيل أمام استقلال دولة فلسطين على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
لكن زملط يعلم أن واقع الاحتلال الإسرائيلي المستمر منذ 59 عاماً لم ينتهِ، بل لم يطرأ عليه حتى تغييرٌ جوهري.
ولا تزال آفاق قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة ضئيلة إلى أبعد الحدود، ولا توجد مؤشرات مباشرة على أن العمل المنسق من جانب 12 دولة سيدفع إلى تغيير الموقف بشأن سيطرة إسرائيل، التي تبدو حتمية على نحو متزايد، على الضفة الغربية.
ولا تملك مثل هذا النفوذ سوى الولايات المتحدة، إذا اختارت أن تستخدمه.
جدير بالذكر أنه في عام 1991، هدد الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت، جورج بوش الأب، ووزير خارجيته الصارم، جيمس بيكر، بحجب عشرة مليارات دولار من ضمانات القروض عن حكومة رئيس الوزراء وقتها، إسحاق شامير، عندما رفض شامير، المعروف بتشدده، التعهد بألّا تُستخدم تلك الأموال في تمويل النشاط الاستيطاني في الأراضي المحتلة.
لكن ترامب لم يُبدِ حتى الآن أي رغبة في كبح خطط نتنياهو الاستيطانية.
وقد اتخذ بعض عناصر حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً" موقفاً "معارضاً لإسرائيل في السنوات الأخيرة، لكن السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، وهو صهيوني مسيحي متحمس، يشارك إسرائيل اعتقادها بأن الله وعد اليهود بالضفة الغربية.
وبناء على ذلك فإن تحرك المملكة المتحدة وشركائها يوم الثلاثاء يضعهم في مواجهة ليس مع إسرائيل فحسب، بل مع الولايات المتحدة أيضاً، الداعم الرئيسي لإسرائيل.