جاء رجل من أهل البادية حديث عهد بالمدينة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم ذهبا وفضة.
قال: يا محمد؛ والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما عدلت!
قال النبي صلى الله عليه وسلم متألما من افتراء الرجل ووقاحته وغلظته: ويلك! فمن ذا الذي يعدل عليك بعدي؟
وفي رواية البخاري والنسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقسم قسما اذ جاءه ذو الحويصة التميمي، فقال: اعدل يا رسول الله.
فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ويلك، ومن ذا يعدل اذا لم اعدل؟
فقال عمر رضي الله عنه: ائذن لي فأضرب عنقه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه، فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.
«هؤلاء المتنطعون في كل زمان ومكان ذوو القلوب الفارغة والعقول الضعيفة الذين يظنون أنهم على حق، وليسوا على شيء».
قال أبوسعيد: فنزلت فيهم (ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون). أما ابن مسعود رضي الله عنه فقال: لما قسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم حنين سمعت رجلا يقول: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله.
فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت له ذلك، فقال: «رحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر».
قال الصحابة يا رسول الله، فكيف آذى اليهود نبيهم موسى عليه الصلاة والسلام؟
قال صلى الله عليه وسلم: إن موسى كان رجلا حييا ستيرا، لا يرى من جلده شيء استحياء منه. فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده، إما برص وإما أُدْرةٌ (انتفاخ في الخصية لتسرب سائل فيها) وإما آفة.
وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا فيه، فخلا يوما وحده فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل فلما فرغ اقبل الى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر (يا حجر) ثوبي حجر.
حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عريانا احسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر (توقف)، فأخذ ثوبه ولبسه.
وطلق بالحجر ضربا بعصاه، فوالله إن بالحجر لندبا (أثرا) من أثر ضربه، ثلاثا أو أربعا أو خمسا، فذلك قوله سبحانه وتعالى: (ياأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها). صحيح البخاري/ ج4.
كتاب بدء الخلق: باب حدثني إسحاق.