- العقيلي: جوهر المنهج الأخلاقي في الإسلام ويحقق النجاح الاجتماعي
- العليم: من عاش متوازناً عاش مطمئن القلب موفقاً في دنياه
كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم إماما في التوازن وتحقيق التكامل في جميع شؤونه وجوانب حياته، فالتوازن والاعتدال من ركائز الدين الإسلامي. عن كيفية تحقيق التوازن ومفاتيحه واسبابه يحدثنا الدعاة.
أكد الداعية الشيخ يحيى العقيلي ان التوازن سمة من سمات المنهج الاسلامي وقاعدة من قواعد التربية الايمانية تضبط البناء الايماني والسلوك الاخلاقي والعطاء العاطفي بل وتضبط مسار الحياة الطيبة بكافة مجالاتها، والتوازن هو الذي يحقق الاستقرار النفسي والانس الايماني والمعيشة الطيبة للمسلم، كيف لا. وهو منهج رباني (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) ومنطلق ذلك المبدأ هو قول الحق جل وعلا (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين).
وبين أن التوازن في البناء الايماني أن يجمع المرء بين العبادة والذكر، والطاعات والقربات، والزهد في الشهوات، والتعلق بالآخرة، يتقلب القلب بين نعيمها وأهوالها، يجمع هذا مع متطلبات الحياة وحاجات الجسد، هذا التوازن الذي قرره القرآن الكريم بقول الحق جل وعلا: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد).
ومعلوم حديث النفر الثلاثة الذين أرادوا الاخلال بهذا التوازن، ففي الحديث عن أنس رضي الله عنه قال «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها وقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر أبدا ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟! أما والله إني لأخشاكم إلى الله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» متفق عليه.
ونأتي إلى التوازن الايماني في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأبي الدرداء ففي صحيح مسلم عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: «أوصاني حبيبي صلى الله عليه وسلم بثلاث لن أدعهن ما عشت بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، وبألا أنام حتى أوتر».
ولا يعني التوازن عباد الله التساوي، بل هو الجمع والتكامل، أما مقدار كل جانب فبمقتضى كل إمريء وحاله، فمن كان متماديا في غفلته، منكبا على شهواته، كانت حاجته للاقبال على الله بالعبادة والذكر والعيش في أحوال الآخرة أعظم، كما يقتضي التوازن أن يجمع المسلم بين الخوف والرجاء، خوف يحجزه عن المحرمات ويردعه عن الغفلات، ورجاء يدفعه للطاعات والقربات، روى البخاري بسنده عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبدلة، فقال لها: ما شأنك؟
قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبوالدرداء يقوم، قال: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم، فلما كان آخر الليل، قال سلمان: قم الآن. فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه.
التوازن الأخلاقي
وأشار العقيلي الى التوازن الأخلاقي والسلوكي وأكد انه يضبط مسار العلاقات مع الناس ويحقق النجاح الاجتماعي للمرء، والتوازن الأخلاقي هو جوهر المنهج الاخلاقي في الاسلام، حيث جاءت الأخلاق الايمانية وسطا بين الافراط والتفريط، فالكرم وسط بين الاسراف والبخل، والشجاعة وسط بين التهور والجبن، ولنسمع لهذا التوجيه الرباني (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير، وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إليَّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون)، أما عباد الرحمن الذين وعدهم الرحمن الغرف يلقون فيها تحية وسلاما، فكان التوازن والوسطية صفة لازمة لهم (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما، والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما، إنها ساءت مستقرا ومقاما، والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما).
التوازن رحلة مستمرة
وردا على سؤالنا كيف نصنع حياة متوازنة؟ أجاب الداعية محمد ناصر العليم، قائلا: في خضم تسارع الحياة، وتزاحم المسؤوليات، وكثرة الملهيات، أصبح كثير من الناس يشعرون بأنهم يعيشون حالة من عدم التوازن، فيطغى جانب من حياتهم على جوانب أخرى، فتضعف علاقاتهم بربهم، أو بأسرهم، أو بأنفسهم، أو بأعمالهم، فيفقدون السكينة رغم كثرة ما يملكون.
والإسلام جاء بمنهج متكامل يحقق للإنسان التوازن في جميع شؤون حياته، فلا يدعو الى الانقطاع عن الدنيا، ولا الى الانغماس فيها، وإنما يرشد الى الوسطية والاعتدال، قال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا)، فالوسطية ليست شعارا، بل أسلوب حياة، يقوم على إعطاء كل ذي حق حقه.
وقد لخّص النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في قوله: «إن لربك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه»، فهذا الحديث يعد من أعظم القواعد في بناء الشخصية المتوازنة، إذ يجمع بين حق الله وحق النفس وحق الأسرة وسائر الحقوق.
إن التوازن يبدأ أولا من العلاقة مع الله عز وجل، فالمحافظة على الصلاة، وتلاوة القرآن، وكثرة الذكر والدعاء، تمنح القلب طمأنينة لا يعوضها متاع الدنيا، قال تعالى: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)، فكلما صلحت الصلة بالله، استقامت بقية جوانب الحياة.
كما ان الإسلام اهتم بالنفس، فجعل لها حقا في الراحة، والغذاء، والنوم، وممارسة ما يقوي البدن، لأن المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، والقوة هنا تشمل قوة الإيمان، وقوة البدن، وقوة العزيمة.
ولا يقل الجانب الأسري أهمية، فالأسرة هي الحضن الأول للإنسان، واستقرارها أساس استقرار المجتمع، ومن صور التوازن أن يخصص الإنسان وقتا لأهله، يحاور أبناءه، ويبر والديه، ويعامل زوجته بالمودة والرحمة، مقتديا بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان خير الناس لأهله.
ويمتد التوازن الى ميدان العمل، فالإسلام يحث على الإتقان والإخلاص، ويجعل السعي في طلب الرزق عبادة اذا صحت النية، لكنه في الوقت نفسه ينهى عن أن يتحول العمل الى سبب لإهمال الأسرة او العبادة او الصحة.
كما يشمل التوازن الجانب المالي، فيكون المسلم معتدلا في إنفاقه، بعيدا عن الإسراف والتبذير، محافظا على الصدقة والزكاة، مدركا ان المال وسيلة لا غاية، وأن البركة ليست بكثرة المال، وإنما بحسن توظيفه.
تهديد التوازن
وعن أهم ما يهدد التوازن في عصرنا، قال العليم: الإفراط في استخدام الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت تستنزف أوقاتا ثمينة كان الأولى أن تستثمر في العلم، او العبادة، او الجلوس مع الأسرة، او تطوير الذات. ولذلك فإن إدارة الوقت أصبحت ضرورة، لا رفاهية.
إن الحياة المتوازنة لا تعني ان يخلو الإنسان من المشكلات، وإنما تعني ان يمتلك القدرة على ترتيب أولوياته، وأن يمنح كل جانب من جوانب حياته نصيبه العادل، دون إفراط أو تفريط.
فلنجعل من كل يوم فرصة لمراجعة أنفسنا: هل أدينا حق الله؟ وهل منحنا أسرنا وقتا كافيا؟ وهل اعتنينا بصحتنا؟ وهل استثمرنا أعمارنا فيما ينفع؟
إن التوازن ليس هدفا نصل إليه مرة واحدة، بل رحلة مستمرة تحتاج الى وعي، ومحاسبة للنفس، وتجديد النية، واستعانة بالله تعالى، ومن عاش متوازنا عاش مطمئن القلب، مبارك الأثر، موفقا في دنياه، راجيا رضا ربه في آخرته (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا).