يعتزم الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، برئاسة جياني إنفانتينو، إنشاء كيان جديد تابع له بقيمة 20 مليار دولار لإدارة كأس العالم وغيرها من البطولات والفعاليات التي ينظمها «فيفا»، مع طرح ما يصل إلى 20% من أسهمه أمام مستثمرين خارجيين. وأثارت هذه الخطوة انتقادات حادة ومعارضة أوروبية غير مسبوقة، خصوصا من الاتحاد الأوروبي (يويفا)، وصلت إلى حد التلويح بمقاطعة كأس العالم، وسط تحذيرات من أن المشروع قد يغير شكل اللعبة لعقود مقبلة، معتبرة أنها بمنزلة طرح «روح» اللعبة للبيع، لتدخل كرة القدم العالمية مرحلة جديدة من الصراع بين «فيفا» و«يويفا».
وتواصلت الانتقادات الموجهة لـ «فيفا»، حيث ندد غلين ميكاليف، مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الشباب والثقافة والرياضة، بشدة بهذا المشروع قائلا لـ«فيفا»: «ارفع يديك عن لعبتنا». كما انتقد اتحادا الكونكاكاف وآسيا المشروع. وانضم اليهما الاتحاد الإنجليزي والاتحاد الألماني، فيما أثار رئيس الاتحاد الفرنسي فيليب ديالو «الكثير من التساؤلات» بشأن المشروع.
وتشير المعطيات إلى أن اتحادات أوروبية تستعد لعقد اجتماع طارئ هذا الأسبوع لبحث الرد على المشروع، فيما يدرس «يويفا» خيارات قانونية لمواجهته، بالتوازي مع تصاعد حدة الانتقادات من مسؤولين سياسيين ورياضيين ورؤساء سابقين لـ«فيفا».
ولا يزال المشروع بحاجة إلى موافقة أغلبية الاتحادات الوطنية الـ211 الأعضاء في «فيفا»، وهو ما يجعل الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد مصيره. وفي المقابل، تترقب الأوساط الكروية نتائج الاجتماع الأوروبي المرتقب، وما إذا كانت الاتحادات ستكتفي بالاعتراض القانوني والسياسي، أم ستصعد موقفها باتجاه التلويح رسميا بمقاطعة كأس العالم، في أزمة قد تعيد رسم موازين القوى داخل كرة القدم العالمية.
ويقوم المشروع على إنشاء شركة جديدة تحمل اسم «فيفا فوروارد إنتربرايز»، تتولى إدارة الحقوق التجارية لبطولات الاتحاد الدولي، بما يشمل كأس العالم للرجال والسيدات وكأس العالم للأندية، مع بيع حصص أقلية لمستثمرين من القطاع الخاص مقابل جمع نحو 4.2 مليارات دولار، في شركة تقدر قيمتها بنحو 20 مليار دولار، بينما يحتفظ «فيفا» بالأغلبية والسيطرة على القرارات الرياضية والتنظيمية.
اجتماع طارئ يلوح بالمقاطعة
وتعد الخطوة الأوروبية أخطر رد فعل منذ إعلان المشروع، إذ كشفت تقارير إعلامية بريطانية أن الاتحادات الأوروبية ستناقش خلال اجتماع افتراضي طارئ خيارات التصعيد، بما في ذلك استخدام التهديد بمقاطعة كأس العالم كورقة ضغط إذا مضى «فيفا» في تنفيذ خطته.
وينظر الاتحاد الأوروبي لكرة القدم إلى المشروع باعتباره أكبر تحد لمنظومة كرة القدم منذ محاولة إطلاق دوري السوبر الأوروبي عام 2021، فيما يدرس مستشاروه الخيارات القانونية المتاحة لمواجهة المشروع.
كما أشارت تقارير إلى أن عددا من الاتحادات الوطنية فوجئ بالإعلان، ولم يكن على علم بالخطة قبل نشرها، وهو ما زاد من حالة الغضب داخل القارة الأوروبية.
وجاء موقف «يويفا» في بيان شديد اللهجة، وصف فيه المشروع الجديد لـ«فيفا» بأنه «يتجاوز الخط الأحمر الذي لا ينبغي لمؤسسات إدارة كرة القدم تجاوزه».
وأكد الاتحاد الأوروبي أن القضية لا تخص القارة الأوروبية وحدها، بل تمس جميع أصحاب المصلحة، من اتحادات وطنية ودوريات وأندية ولاعبين وجماهير وحكومات.
وأضاف البيان أن «روح كرة القدم وآلية إدارتها ليستا أصولا تجارية قابلة للبيع، خصوصا في ظل غياب أي شفافية بشأن من سيحقق المكاسب المالية»، مشددا على أن «لا أحد يملك كرة القدم، وليست ملكا لـ«فيفا» حتى يبيعها».
ويخشى «يويفا» أن يؤدي دخول المستثمرين إلى ضغوط مستمرة لتوسيع البطولات الدولية أو زيادة عدد نسخها، بما يهدد توازن روزنامة كرة القدم ويؤثر في البطولات القارية والمحلية.
ونقلت صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية عن أحد المشاركين في المشاورات قوله: «علينا أن نتحرك بسرعة»، بينما وصف مصدر آخر ما يحدث بأنه «قنبلة نووية انفجرت في عالم كرة القدم».
«فيفا» يدافع عن المشروع
أكد «فيفا» أن المشروع لا يتعلق ببيع كأس العالم أو التخلي عن السيطرة على اللعبة، بل بإنشاء شركة تجارية متخصصة تساعد على تعظيم الإيرادات وإعادة استثمارها في تطوير كرة القدم حول العالم.
ويقول إنه سيحتفظ بالسيطرة الكاملة على الحوكمة، وإدارة البطولات، والروزنامة الدولية، وجميع القرارات الرياضية والتنظيمية، بينما سيقتصر دور المستثمرين على امتلاك حصص أقلية غير مسيطرة في الشركة الجديدة.
وأوضح «فيفا» أن المشروع سيتيح زيادة التمويل المخصص للاتحادات الوطنية إلى أكثر من 10 مليارات دولار خلال السنوات المقبلة، مع رفع الدعم الأساسي لكل اتحاد من 8 ملايين دولار إلى 20 مليون دولار، إضافة إلى إمكانية حصول كل اتحاد على تمويل إضافي لمرة واحدة يصل إلى 20 مليون دولار لتنفيذ المشاريع الكبرى.
إنفانتينو: نريد توزيعاً أكثر عدالة للثروة
دافع رئيس «فيفا» جياني إنفانتينو عن المشروع، مؤكدا أن كرة القدم أصبحت صناعة عالمية ضخمة، وأن المطلوب هو ضمان استفادة جميع الاتحادات الوطنية من هذا النمو.
وقال إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى هيكل تجاري متخصص يسمح بإدارة النشاط التجاري بصورة أكثر كفاءة، مع توزيع العوائد بصورة أفضل في مختلف أنحاء العالم، مؤكدا أن المشروع يهدف إلى «إضفاء طابع أكثر ديموقراطية على كرة القدم العالمية» ومنح كل اتحاد فرصة أكبر لبناء مستقبله.
راتب سنوي يصل إلى 64 مليون دولار
نفى «فيفا» التقارير التي تحدثت عن نية تعيين إنفانتينو رئيسا تنفيذيا للشركة الجديدة بعد انتهاء ولايته، مؤكدا أن هذه الفكرة لم تناقش، مع الإشارة إلى أن رئيس الاتحاد والإدارة التنفيذية سيواصلان لعب دور رئيسي لضمان بقاء السيطرة بيد «فيفا». وبحسب صحيفة «التايمز» البريطانية، فإن المشروع قد يؤدي إلى تعيين جياني إنفانتينو رئيسا تنفيذيا للشركة الجديدة بعد انتهاء ولايته رئيسا لـ«فيفا»، مقابل راتب سنوي قد يصل إلى 64 مليون دولار، وهو رقم قالت الصحيفة إنه يوازي تقريبا راتب مفوض دوري كرة القدم الأميركية.
مخاوف من تغيير شكل كأس العالم
رغم تأكيدات «فيفا»، فإن منتقدي المشروع يرون أن دخول المستثمرين سيجعل تحقيق الأرباح أولوية، وهو ما قد يقود مستقبلا إلى توسيع كأس العالم أو زيادة وتيرة إقامته، إلى جانب توسيع كأس العالم للأندية وكأس العالم للسيدات.
ويرى منتقدون أن المستثمرين سيضغطون من أجل تنظيم البطولات في الأسواق الأكثر ربحية، مع التركيز على العوائد التجارية أكثر من الاعتبارات الرياضية.
بورنهام: بيع جزء من البطولة يعني بيع اللعبة
كان رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام من أوائل السياسيين الذين هاجموا المشروع، مؤكدا أن كرة القدم «لا تخص المستثمرين، بل الجماهير التي تملأ المدرجات أسبوعا بعد آخر». وأضاف أن كأس العالم «ليس منتجا تجاريا، بل أعظم بطولة رياضية في العالم، ولم يكن يوما ملكا لأحد حتى يبيعه»، معتبرا أن بيع أي جزء منه يعني أن «فيفا باع نفسه».
مهلة نهائية للموافقة.. و40 مليون دولار لكل اتحاد
قال الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) للاتحادات الأعضاء إن كلا منها سيحصل على 40 مليون دولار إذا دعم خطة بيع حصص في المسابقات الكبرى، لكن يتعين عليه الانضمام إلى المشروع بحلول 19 سبتمبر. ووفق ما كشفت صحيفة «تايمز»، أبلغ رئيس فيفا السويسري- الإيطالي جياني إنفانتينو الأعضاء بأن حزمة تمويل بقيمة إجمالية تبلغ 10 مليارات دولار ستصبح متاحة إذا قرروا الموافقة على الانضمام إلى الخطة. وكتب إنفانتينو في رسالة اطلعت عليها الصحيفة البريطانية أن القرار يعود إلى كل اتحاد على حدة، قائلا: «إذا رغبتم في المضي قدما، فإن هذه الحزمة البالغة 10 مليارات دولار ستصبح متاحة اعتبارا من الأول من يناير 2027، لتدشن المرحلة التالية من رحلتنا المشتركة». وأضاف: «أما إذا رغبتم في الإبقاء على الوضع القائم ورفض هذا المقترح، فسيبقى لدينا التوسع المقرر سابقا في برنامج «فوروورد» (صناديق التطوير) بقيمة 2.7 مليار دولار، كما تم عرضه من قبل».
وبذلك، «خلال الدورة المقبلة التي تبدأ في الأول من يناير 2027، سيكون بإمكان كل اتحاد عضو الحصول على تمويل يصل إلى 40 مليون دولار بموجب هذا المقترح».
وأوضحت «تايمز» أن مصادر معارضة للخطة وصفت ما صدر عن إنفانتينو بأنه «رشوة صريحة».